السيد كمال الحيدري
82
روحانية العبادات (دروس في الأخلاق التعليمية والواقعية)
جديرٌ بالذكر أنّ كثير العبادة على خطرٍ عظيمٍ ، فينبغي أن يراقب نفسه كثيراً كي لا يقع في رياءٍ أو عُجبٍ في عمله فتكون قلّة العبادة منه خيراً من كثرتها ، وقد ورد في الخبر عن أحد الصادقين ( عليهما السلام ) : « دخل رجلان المسجد ، أحدهما عابدٌ والآخر فاسقٌ ، فخرجا من المسجد والفاسق صدّيقٌ والعابد فاسقٌ ؛ وذلك أنّه يدخل العابد المسجد مدلّاً بعبادته ، يدلّ بها فتكون فكرته في ذلك ، وتكون فكرة الفاسق في التندّم على فسقه ويستغفر الله عزّ وجلّ ممّا صنع من الذنوب » « 1 » ، وقد مرّ إبليس يوماً بموسى ( عليه السلام ) فقال له موسى : « فأخبرني بالذنب الذي إذا أذنبه ابن آدم استحوذت عليه ؟ قال : إذا أعجبته نفسه واستكثر عمله وصغر في عينه ذنبه » « 2 » . الثاني : أن تكون هذه العبادة الأخلاقيّة متوفّرةً على الإخلاص ، فلا يطلب بظاهرها - فضلًا عن باطنها - غير رضوان الله تعالى ، فلا يشوبها الشرك الأصغر ، ولا يشوب نيّتها شوبٌ من الدنيا ، فإنّ الآخرة والدنيا كضرّتين لا تجتمعان أو تتوافقان ، إحداهما طاردةٌ للأخرى . الثالث : أن تكون عبادةً متفكّرةً خاشعةً ، وإنّما مدح الله تعالى العلماء لحصول الخشية منهم ؛ قال تعالى : . . . إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ( فاطر : 28 ) ؛ وهذه الخشية العلمائيّة بنكتة اقترانها بالعلماء تفيد وقوع التفكّر والتأمّل منهم ، وإلّا فالخوف والخشية يقعان من الكثير من الناس الذين لم يبلغوا درجاتٍ رفيعةً من العلم ، والعلم دالٌّ على العقل الذي عليه العابد ، وقد جاء في الخبر عن محمّد بن سليمان الديلميّ عن أبيه قال : « قلت لأبي عبد الله الصادق ( عليه السلام ) : فلانٌ من عبادته ودينه وفضله ، فقال : كيف
--> ( 1 ) الأصول من الكافي ، للشيخ الكلينيّ : ج 2 ، ص 314 ، ح 6 . ( 2 ) المصدر السابق : ج 2 ، ص 314 ، ح 8 .